Summary
Highlights
الشمس هي نجمنا الأم التي تبعد عنا 150 مليون كيلومتر، وهي كرة نارية هائلة من الغازات الملتهبة. حجمها يتسع لمليون و300 ألف كرة أرضية. تعمل كمفاعل اندماج نووي عملاق يمنحنا الدفء والضوء للحياة. رغم ذلك، ليست الشمس وديعة كما نراها من بعيد، بل هي مصدر لانفجارات عنيفة قادرة على التأثير على كوكبنا وحضارتنا التكنولوجية. تصل الحرارة في مركز الشمس إلى 15 مليون درجة مئوية، مما يؤدي إلى اندماج نووي للهيدروجين وينتج الهيليوم وكمية هائلة من الطاقة. تخترق هذه الطاقة طبقات الشمس لتصل إلى سطحها (الفوتوسفير) الذي تصل حرارته إلى 5500 درجة مئوية. الغريب أن الغلاف الجوي الخارجي للشمس، أو 'الكورونا'، تقفز درجة حرارته فجأة إلى أكثر من مليون درجة مئوية، وقد تصل إلى 20 مليون درجة مئوية، أي أسخن بمئات المرات من السطح نفسه، وهذا اللغز لا يزال يحير العلماء. هذه الكورونا الملتهبة هي المكان الذي تتولد فيه العواصف الشمسية.
الشمس ليست مجرد كرة من الغاز الساخن، بل هي أيضًا مغناطيس عملاق ومعقد بمجال مغناطيسي فوضوي ومتشابك. نظرًا لدورانها حول محورها بشكل غير متساوٍ (خط الاستواء يكمل دورة في 25 يومًا بينما تحتاج المناطق القطبية إلى 35 يومًا)، فإن خطوط المجال المغناطيسي تتعرض للالتواء والتمدد والتشابك مثل أشرطة مطاطية. تنقطع هذه الخطوط فجأة ثم تعود لتتصل من جديد في عملية تسمى 'إعادة الاتصال المغناطيسي'. هذا الانقطاع المفاجئ يطلق طاقة هائلة مخزنة دفعة واحدة على شكل انفجار شمسي عنيف.
تتخذ الانفجارات الشمسية ثلاث أشكال رئيسية يمكن أن تحدث معًا أو بشكل منفصل: الشكل الأول هو التوهجات الشمسية، وهي ومضات عملاقة من الضوء والإشعاع تشمل أشعة إكس وجاما والأشعة فوق البنفسجية وموجات الراديو. تمثل هذه التوهجات أقوى الانفجارات في نظامنا الشمسي، حيث يمكن لتوهج واحد أن يطلق طاقة تعادل مليارات القنابل الهيدروجينية. يصنف العلماء هذه التوهجات حسب شدتها إلى فئات A، B، C، M، و X، وكل فئة أقوى بعشر مرات من التي قبلها. أقوى توهج تم رصده كان في نوفمبر 2003 وصُنّف على أنه من فئة X28. هذه الطاقة تسافر بسرعة الضوء وتصل إلى الأرض في ثماني دقائق فقط. الشكل الثاني هو عواصف الإشعاع، وهي سيل من الجسيمات المشحونة مثل البروتونات والإلكترونات تتسارع وتقترب من سرعة الضوء وتقطع المسافة إلى الأرض في أقل من ساعة. هذه الجسيمات خطيرة بشكل خاص على رواد الفضاء والأقمار الصناعية لأنها تخترق المواد وتتلف الخلايا الحية والدوائر الإلكترونية. الشكل الثالث والأخطر هو القذف الكتلي الإكليلي، وهو انفجار هائل يقذف سحابة عملاقة من البلازما والمجال المغناطيسي من إكليل الشمس. تحتوي هذه السحابة على مليارات الأطنان من المواد الشمسية وتتمدد أثناء سفرها لتصير أكبر من الشمس نفسها. تتحرك بسرعات تصل إلى آلاف الكيلومترات في الثانية، وإذا كانت متجهة نحو الأرض تصل خلال يوم إلى ثلاثة أيام، ومعها مجال مغناطيسي قوي يؤثر في مجال الأرض.
يتبع النشاط الشمسي دورة طبيعية مدتها 11 عامًا تسمى الدورة الشمسية، تزيد وتنقص خلالها أعداد البقع الشمسية (المناطق الداكنة على سطح الشمس التي تتميز بنشاط مغناطيسي مكثف). في ذروة الدورة، المعروفة بالحد الأقصى الشمسي، تكثر البقع الشمسية ويزداد احتمال العواصف القوية. عندما تنطلق العاصفة الشمسية باتجاه الأرض، تتسابق مكوناتها المختلفة. أول ما يصلنا هو الإشعاع خلال ثماني دقائق، ثم جسيمات الإشعاع في غضون ساعة أو أقل، وأخيرًا سحابة البلازما العملاقة بعد يوم إلى ثلاثة أيام.
كوكبنا محمى بدرع واقٍ قوي هو المجال المغناطيسي للأرض، الناتج عن حركة الحديد المنصهر في نواتها، ويمتد لعشرات الآلاف من الكيلومترات في الفضاء كفقاعة واقية تحمينا من سيل الجسيمات الشمسية. عندما تصطدم سحابة القذف الكتلي الإكليلي بهذا الدرع، تضغطه وتشوّهه وتسبب له اضطرابًا عنيفًا نسميه العاصفة الجيومغناطيسية. هذا الدرع يحرف معظم الجسيمات المشحونة، لكن بعضها يتوجه إلى القطبين الشمالي والجنوبي. هناك تتصادم هذه الجسيمات مع ذرات الأكسجين والنيتروجين في غلافنا الجوي على ارتفاعات تتراوح بين 100 و300 كيلومتر. هذا التصادم يثير الذرات ويجعلها تطلق الضوء، منتجًا عرضًا سماويًا ساحرًا هو الشفق القطبي أو الأورورا. يعطي الأكسجين اللون الأخضر والأحمر بينما يعطي النيتروجين اللون الأزرق والبنفسجي. في العواصف الشديدة، يمكن رؤية الشفق القطبي من مناطق بعيدة جدًا عن القطبين. الشفق القطبي هو الجانب الجميل من العاصفة الشمسية، لكن هناك جانب آخر مظلم وتأثيراته خطيرة.
التأثير الأول والأخطر هو على شبكات الكهرباء. التغيرات السريعة في المجال المغناطيسي للأرض يمكن أن تحث تيارات كهربائية قوية في خطوط نقل الطاقة. إذا وصلت هذه التأثيرات إلى المحولات العملاقة، تسبب ارتفاعًا في حرارتها وتتلفها بشكل دائم. حدث هذا في مارس 1989 عندما تسببت عاصفة شمسية في انهيار شبكة الكهرباء في مقاطعة كيبك الكندية في غضون 92 ثانية فقط، تاركة 6 ملايين شخص في الظلام لمدة تسع ساعات. التأثير الثاني هو على الأقمار الصناعية التي توفر لنا الاتصالات والملاحة والتنبؤات الجوية. جسيمات الإشعاع يمكن أن تخترق إلكترونياتها الحساسة وتتلف القمر الصناعي بالكامل. كذلك، يمكن لهذه العواصف أن تسخن الغلاف الجوي العلوي وتجعله يتمدد، مما يزيد من تأثير السحب على الأقمار الصناعية في المدارات المنخفضة، فتبطئ سرعتها وتفقد ارتفاعها. التأثير الثالث على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). تسبب العواصف الشمسية اضطرابًا شديدًا في طبقة الأيونوسفير، وهي الطبقة المشحونة كهربائيًا التي تمر عبرها إشارات GPS. يؤدي هذا الاضطراب إلى تشويش الإشارات ويجعل تحديد الموقع غير دقيق، وقد يصل الخطأ إلى عشرات الأمتار، وهو أمر خطير جدًا للطائرات أثناء الهبوط أو للسفن في الممرات الملاحية الضيقة. التأثير الرابع هو على الاتصالات اللاسلكية. موجات الراديو عالية التردد التي يستخدمها الطيران والنقل البحري تتأثر بشكل كبير، وقد يحدث تعتيم كامل للاتصالات في جانب الأرض المواجه للشمس لمدة ساعات.
لم يعد السؤال هو 'هل ستضربنا عاصفة شمسية قوية مرة أخرى؟' بل 'متى؟'. أقوى عاصفة مسجلة في التاريخ هي حدث كارينغتون عام 1859، الذي أثبت أن الشمس قادرة على إطلاق عواصف ذات قوة تدميرية هائلة. تشير الدراسات إلى أن عواصف بهذه القوة تحدث كل 500 سنة تقريبًا، بينما تحدث عواصف بنصف هذه القوة كل 50 سنة. اليوم، لدينا أسطول من المراصد الفضائية التي تراقب الشمس على مدار الساعة، مثل مرصد ديناميكيات الشمس الذي يلتقط صورًا للشمس كل ثانية، ومسبار باركر الشمسي الذي يقترب من الشمس لدراسة الكورونا من الداخل، ومرصد سوهو الذي يراقب الانفجارات الشمسية. تعمل هذه المراصد كأنظمة إنذار مبكر تمنحنا نافذة زمنية من ساعات إلى أيام للاستعداد. يصدر مركز التنبؤ بالطقس الفضائي تنبؤات وتحذيرات على مدار الساعة. هذا الإنذار المبكر يسمح لشركات الكهرباء بحماية شبكاتها، وللجهات المشغلة للأقمار الصناعية بوضعها في الوضع الآمن، ولشركات الطيران بتغيير مسارات رحلاتها. إنه سباق مع الزمن، سباق بين سرعة العاصفة وقدرتنا على الاستجابة. العواصف الشمسية هي تذكير بأننا نعيش في بيئة كونية مضطربة، تذكير بقوة الطبيعة الهائلة وضرورة فهمها والاستعداد لها. الشمس، هذا النجم الذي يمنحنا الحياة، يمكن أيضًا أن يهدد كل ما بنيناه.